الآلوسي

175

تفسير الآلوسي

واحتج الجبائي بالآية على كون القرآن مخلوقاً من أربعة أوجه : الأول وصفه بالإنزال ، والقديم لا يجوز عليه ذلك ، الثاني وصفه بكونه عربياً ، والقديم لا يكون عربياً ولا فارسياً ، الثالث أن قوله تعالى : * ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً ) * يدل على أنه سبحانه قادر على أنزاله غير عربي وهو ظاهر الدلالة على حدوثه . الرابع أن قوله عز سأنه : * ( تلك آيات الكتاب ) * يدل على تركبه من الآيات والكلمات وكل ما كان مركباً كان محدثاً ضرورة أن الجزء الثاني غير موجود حال وجود الجزء الأول . وأجاب الأشاعرة عن ذلك كله بأن قصارى ما يلزم منه أن المركب من الحروف والكلمات محدث وذلك مما لا نزاع لنا فيه ، والذي ندعي قدمه شيء آخر نسميه الكلام النفسب وهو مما لا يتصف بالإنزال ولا بكونه عربياً ولا غيره ولا بكونه مركباً من الحروف ولا غيرها ، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك هنا فلا تغفل . * ( لَّعَلَّكُمْ تَعْقلُونَ ) * أي لكي تفهموا معانيه وتحيطوا بما فيه من البدائع أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنه خارج عن طوق البشر مشتمل على ما يشهد له أنه منزل من عند خلاق القوى والقدر ، وهذا بيان لحكمة إنزاله بتلك الصفة ، وصرح غير واحد أن - لعل مستعملة بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية ، ومرادة من ذلك ظاهر ، وجعلها للرجاء من جانب المخاطبين وإن كان جائزاً لا يناسب المقام . وزعم الجبائي أن المعنى أنزله لتعقلوا معانيه في أمر الدين فتعرفوا الأدلة الدالة على توحيده وما كلفكم به ، وفيه دليل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح من حصل منه ذلك ومن لم يحصل ، وفيه أنه بمعزل عن الاستدلال به على ما ذكر كما لا يخفى . * ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَاذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ) * * ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ) * أي نخبرك ونحدثك من قص أثره إذا اتبعه كأن المحدث يتبع ما حدث به وذكره شيئاً فشيئاً ومثل ذلك تلى * ( أَحْسَن الْقَصَص ) * أي أحسن الاقتصاص فنصبه على المصدرية إما لاضافته إلى المصدر . أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص ، وفيه مع بيان الواقع إيهام لما في اقتصاص أهل الكتاب من القبح والخلل ، والمفعول به محذوف أي مضمون هذا القرآن ، والمراد به هذه السورة ، وكذا في قوله عز وجل : * ( بمَا أَوْحَيْنَا ) * أي بسبب إيحائنا . * ( إلَيْكَ هَاذا الْقُرْءَانَ ) * والتعرض لعنوان قرآنيتها لتحقيق أن الاقتصاص ليس بطريق الإلهام أو الوحي غير المتلو ، ولعل كلمة * ( هذا ) * للإيماء إلى تعظيم المشار إليه . وقيل : فيها إيماء إلى مغايرة هذا القرآن لما في قوله تعالى : * ( قرآناً عربياً ) * بأن يكون المراد بذلك المجموع وفيه تأمل ، وأحسنيته لأنه قد قص على أبدع الطرائق الرائعة الرائقة ، وأعجب الأساليب الفائقة اللائقة كما لا يكاد يخفى على من طالع القصة من كتب الأولين وإن كان لا يميز الغث من السمين ولا يفرق بين الشمال واليمين ، وجوز أن يكون هذا المذكور مفعول * ( نقص ) * . وصرح غير واحد أن الآية من باب تنازع الفعلين ، والمذهب البصري أولى هنا أما لفظاً فظاهر وأما معنى فلأن القرآن كما سمعت السورة وإيقاع الإيحاء عليها أظهر من أيقاع * ( نقص ) * باعتبار اشتمالها على القصة وما هو أظهر أولى بإعمال صريح الفعل فيه ، وفيه من تفخيم القرآن وإحضار ما فيه من الإعجاز وحسن البيان ما ليس في إعمال * ( نقصذ صريحاً ، وجوز تنزيل أحد الفعلين منزلة اللازم ، ويجوز أن يكون دأحسنذ مفعولاً به لنقص ، والقصص : إما فعل بمعنى مفعول كالنبأ والخبر أو مصدر سمي به المفعول كالخلق والصيد أي نقص